ليس بالجدران وحدها يتحقق السكن
كتبهاTaha gado ، في 15 يناير 2009 الساعة: 14:20 م
بقلم د. درية شرف الدين
منذ أكثر من سنة كتبت عن موضوع مشروع ابنى بيتك، وكان العنوان هو ابنى بيتك فى غياهب الصحراء، على اعتبار أن المساحات المقررة للبناء بالنسبة لهذا المشروع هى فى الظهير الصحراوى للمحافظات القديمة وفى المناطق الصحراوية البعيدة، ومعلوم أن التوسع لاستيعاب الضغط السكانى فى مصر مكانه الحقيقى هو الصحراء، وليس الاستقطاع من الأراضى الزراعية،
أما ما يستحق الاعتراض ومازال فهو إرسال هؤلاء الشباب للبناء فى غياهم الصحراء دون أن تسبقهم خدمات البناء الميسرة السهلة المتوافرة دون جهد أو عناء ويكفيهم الجهد المادى لإنجاز المطلوب، أن تسبقهم وسائل المواصلات العامة للوصول إلى المواقع فليس من المتصور أنهم يملكون سيارات وأن تتيسر لهم مواد البناء الحديد والأسمنت والأخشاب، والمياه فى مواقع العمل دون نقلها من مكان بعيد أو حتى من مدن مجاور فكل ذلك يمثل لهم تكلفة مضافة وأن تسبقهم أيضا مستلزمات القياس الهندسية وفروع مكاتب الخبراء الهندسيين.
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فمن المتصور أن يسبق هؤلاء الشباب إلى هناك جملة مرافق الخدمات العامة اللازمة للحياة سواء فى فترة البناء، أو فى مرحلة سكن هذه المساكن الجديدة، المدارس، المستشفيات، الأسواق التجارية، دور العبادة، أقسام الأمن والحراسة للحماية والأمان والاستقرار الحقيقى للأسر القادمة من بعيد حيث يجد أفرادها وأطفالها المحال التجارية والحدائق والأرصفة ومحطات المواصلات العامة وإلا أصبح انتقالهم إلى هناك شبه مستحيل وتترك هذه المساكن أو معظمها خالية من أصحابها حتى يكتمل أو يكاد يكتمل للمكان مقومات الحياة الآدمية.
وإذا عدنا إلى تجربة المدن الجديدة فى مصر، وعلى الرغم من اختلاف الظروف والأحوال لعدم وقوع هذه المدن فى الظهير الصحراوى البعيد، إلا أن تجربتها كان يجب أن نتعلم منها لصالح هذه التجمعات الجديدة فى مشروع ابنى بيتك، ذلك أن خطوط المواصلات العامة القطارات والأتوبيسات وخطوط المترو التى لم تصل إليها أو تسبقها بكثافة وبانتظام أجلت كثيراً استيعاب هذه المدن لسكان جدد يستقرون بها دون انتقال يومى منها وإليها حتى كادت الطرق الموصلة إليها تغلق أو تصاب بالانسداد المرورى يومياً صباحاً ومساءً فى مواعيد الذهاب أو العودة من العمل،
وهذا الوضع بالذات يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأهمية توفير فرص العمل لسكان هذه المدن أو لمعظمهم بجوار هذه المدن الجديدة حتى يتحقق معنى الاستقرار والاستيطان الكامل لهذه المناطق، وتتحقق مسألة إعادة توزيع السكان فى الأراضى المصرية التى يعانى بعضها من تكدس يصل إلى حد الاختناق وأخرى من فراغ إلى حد الإهمال والنسيان، ولنا فى شمال ووسط سيناء مثال لسوء توزيع السكان فى بر مصر إلى جانب سوء استغلال الثروة، وقصور قراءة المستقبل.
هؤلاء الشباب فى مشروع ابنى بيتك يذهبون إلى هناك الآن، إلى أماكن مساكنهم الجديدة وكلهم أمل فى البناء، والاستقرار ومن البداية ظهرت المشاكل، وتبين تراجع التخطيط الذى كان يجب أن يتعدى هدفه مجرد توفير أربعة جدران أو بناء دور أو ثلاثة أدوار فالسكن فى معناه الكبير ليس فقط تلك الجدران، السكن هو الحياة بمقوماتها الإنسانية الكاملة التى كان يجب أن تسبق الطوب والأسمنت والحديد وتمثل عامل جذب وأسلوب إغراء ووعداً بمكان أفضل وحياة أفضل ومستقبل أفضل.
فى بعض المدن التى بدأ فيها توزيع الأراضى والبناء ارتفعت أسعار الأسمنت والحديد وارتفعت أسعار العمالة، وأسعار المقاولين كان سعر الألف طوبة حمراء ١٧٠ جنيهاً وصل إلى ٣٢٠ جنيهاً وكانت مصنعية البناء ٤٠ جنيهاً وصلت إلى ١٢٠ جنيهاً ارتفعت أسعار المجسات والمياه وحينما تتعرض مضخات المياه هناك للعطب يقوم الخفراء الذين يحرسون آبار الشركات ببيعها للشباب بأسعار باهظة مستغلين احتياجهم للبناء فى مدد محدودة ومعلومة، كما تتعرض مواد البناء للسرقة فى ظل عدم وجود حماية أمنية مسبقة.
وأخيراً.. فإن مشروع ابنى بيتك الذى يفتح باب الأمل لمحدودى الدخل فى امتلاك مسكن ولو فى آخر الدنيا لا يجب أن يكون مسؤولية وزارة الإسكان وحدها، وإنما هو مسؤولية مشتركة لوزارات عدة للداخلية، والنقل، والإدارة المحلية، والتعليم وصولاً إلى وزارة الثقافة، ذلك إن أردنا تكوين تجمعات بشرية وليس مجرد حوائط وجدران أسمنتية.
من المصرى اليوم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























