روشتة «هندسية»

كتبهاTaha gado ، في 24 أكتوبر 2008 الساعة: 09:44 ص

روشتة «هندسية» لإنقاذ فقراء مصر من خطر العشوائيات

ممدوح حمزة

كارثة الدويقة التي أفجعت قلوب المصريين منذ 40 يوماً وراح ضحيتها المئات من فقراء مصر لم تكن الأولي ولن تكون الأخيرة في سلسلة ضحايا انعدام المسكن الآدمي الملائم الذي يجد فيه المواطن ستره وسكينته.. والذي يستعرض المناطق المعرضة لمثل هذه الكوارث سيجدها عشرات المناطق في مصر من شمالها إلي جنوبها، وليس ببعيد عن الذاكرة كوارث انهيار صخرة منشية ناصر أو كورنيش المقطم .. ناهيك عن مئات المناطق العشوائية التي تكتظ بالملايين من الفقراء ومعرضة للخطر، وحتي وإن نجت بعض هذه المناطق من كوارث الانهيارات فلن تنجو من الكوارث الصحية والأخلاقية والاجتماعية حيث إن 38.8% من الشعب المصري في الحضر يعيشون في المساكن العشوائية طبقا لإحصائيات الدولة.

لقد أرجع الخبراء أسباب كارثة الدويقة إلي التأثيرات الجيولوجية وتسرب مياه الصرف، إلا أن هؤلاء الخبراء أو غيرهم غاب عنهم السبب الرئيسي الذي جعل من هذه الكوارث سلسلة من المآسي التي تقتل آلاف الفقراء وهو أنهم ببساطة لم يجدوا لهم ملاذا غير هذه المناطق بالغة الخطورة فاتخذوها سكناً وستراً، بالرغم من دلائل الخطر التي كانت حاضرة في هذه المناطق مما جعله ليس فقط سكناً عشوائياً وإنما أيضاً سكن انتحاري.

إن السبب الرئيسي لهذه الكوارث هو تفاقم مشكلة الإسكان في مصر لأكثر من خمسة عقود من الزمن، وازدادت التداعيات المأساوية فيها بشكل مفجع وأفرزت عشرات المخاطر والسلبيات الاجتماعية والأمنية التي تتعرض لها مصر.

لقد أفرزت المقابر والعشوائيات والمناطق الخطرة التطرف والإرهاب والإدمان والجرائم الشاذة في محيط الأسرة المصرية فكانت هذه الظواهر انعكاسات واقعية لجوهر المشكلة الأساسي وهو أزمة السكن منخفض التكاليف في مصر.

إن واضعي سياسات الإسكان ومنفذيها «بالرغم من إخلاص بعضهم» لم يدركوا قيمة السكن في ثقافة وضمير الإنسان المصري ولم يدركوا كذلك أهميته بالنسبة للاقتصاد القومي باعتباره أهم أداة من أدوات الإنتاج والتنمية خاصة في مجتمعات الحضارات القديمة ومنها مصر.. فلم يكن من الممكن أن تنتج مجتمعات البداوة والارتحال تنمية عمرانية وحضارية مثل التي خلفتها الحضارة الفرعونية.

إن السواد الأعظم من المصريين علي مر العصور يتطلعون من أجل «الستر» وأهم أساسياته السكن، ولم يجنح هذا السواد الأعظم كثيراً إلي الرخاء المادي أو الرفاهية وإنما كانت حسابات الثروة دائماً لدي هؤلاء تتمثل بالدرجة الأولي في السكن.. كان هذا الأمر في الحقب الفرعونية فأقاموا مقابرهم واهتموا بها باعتبارها من درجات سكن الحياة الآخرة بعد الموت.. واستمر ذلك في الحقب القبطية والإسلامية وبعبارة أخري ينبغي التأكيد علي أن قضية توفير السكن المناسب ستظل هدفاً محورياً تجتمع عليه رغبة المصريين بموروثاتهم الثقافية والحضارية، ولذلك يجب أن تعمل الدولة علي توفير الإسكان الملائم للمواطن باعتبار هذا السكن أهم أداة من أدوات الإنتاج وتحقيق الاستقرار الاقتصادي فكيف نتوقع إنتاجاً زراعياً أو صناعياً أو خدمياً من مواطن لم ينعم بالنوم الهادئ المريح..؟

ولم تكن هذه الأهمية للسكن في حياة المصريين في الماضي فقط.. ففي عصرنا الحديث كانت أسفار المصريين الي الدول العربية وبدايات اغترابهم منذ سبعينيات القرن الماضي وحتي الآن هدفها الأساسي ادخار الأموال اللازمة للحصول علي المسكن الملائم.. والذين غرقوا في البحر الأحمر والبحر المتوسط والذين ماتوا في كوارث الانهيارات الصخرية والزلازل دفعوا حياتهم ثمناً لحلم السكن المناسب من عوائد كدهم سواء في مصر أو الغربة.

وبالرغم من الجهود التي بذلت للتصدي لمشكلة الإسكان في مصر فإن المردود كان ضعيفاً هذيلاً لم يتناسب مطلقاً مع النمو السكاني ومتطلبات العمران والتنمية المأمولة في مصر علي مدار العقود الثلاثة الأخيرة.. والسبب الرئيسي لهذا الإخفاق أن مشكلة الإسكان كان يتم اختزالها دائماً في قطاع الهندسة فكان يوكل إلي المهندسين بهذه القضية من الألف إلي الياء بداية من أصغر الوحدات المحلية وصولاً إلي رأس الهرم في وزارة الإسكان. ودائماً المسئول عن ملف الإسكان مهندساً بالرغم من أن المنطق يجزم بأن المهندس لابد أن يكون آخر حلقة في سلسلة حل مشكلة الإسكان التي يسبقه فيها خبراء الديموجرافي والمالية والاجتماع والاقتصاد والتنمية وغيرهم من المعنيين بحل هذه القضية ثم يأتي دور المهندس بعد كل هؤلاء لتنفيذ ما توصلوا إليه من حلول.

أما السبب الثاني لمشكلة الإسكان فهو أن التنمية العمرانية في مصر ركزت فقط علي التنمية الحضرية أي بناء المدن ولم تفطن إلي أهمية التنمية العمرانية الريفية أي بناء قري باستثناء بعض المشروعات مثل المشروع التنموي الذي بدأته الدكتورة زينب الديب وهو بناء نماذج للقري الزراعية في منتصف التسعينيات في صحراء مصر والذي حورب بشدة حتي تم القضاء عليه تماماً علماً بأن 65% من سكان مصر من أبناء الريف أي أن التنمية العمرانية الريفية أي بناء القري هي الأولي بالرعاية.

والسبب الثالث والذي يعتبر الضربة القاضية الذي ظهر مؤخراً هو إدخال العنصر الأجنبي ليشارك المصري في أرضه التي وهبها الله له لتكون في الأساس سكناً له، ودخول الأجانب أو العرب في مجال الإسكان في مصر مما أهدر فرصة كثير من المصريين في الحصول علي السكن المناسب وخاصة في المدن لعدم قدرة المصري علي المنافسة وبالذات منافسة فرق سعر برميل البترول.

إن مشكلة الإسكان في مصر ينبغي أن يتم حلها من خلال جهود فريق عمل يتشكل من خبراء في المالية والاجتماع والتنمية بغض النظر عن انتماءاتهم الحزبية أو السياسية ويتبعون مباشرة رئيس الجمهورية علي أساس ان مشكلة الإسكان هي من أهم المشاكل والأولي بالرعاية ويتم توفير جميع متطلبات هؤلاء الخبراء ليتفرغوا تماماً ويعزلوا عن أي أعمال أخري للتركيز علي حل مشكلة الإسكان بشكل جذري علي المديين القصير والبعيد من خلال استراتيجية يراعي في جوانبها النمو السكاني المتوقع والتطور العمراني والحضاري المأمول وأسعار مواد البناء ومساحات ومواقع كردونات أراضي البناء خارج شريط الوادي وأيضاً دراسة مصادر التمويل اللازم لذلك.

في هذا السياق تأتي هذه الأطروحة للمساهمة في توفير التمويل لتنفيذ الاستراتيجية التي يتوصل إليها فريق العمل المقترح.. فلا شك أن توفير التمويل اللازم يعد أهم العناصر والأساسيات المطلوبة لتنفذ أي حلول مقترحة بهذا الصدد، فالموارد المالية دائماً هي بمثابة الوقود المحرك لأي خطط أو حلول للمشكلات القومية وأهمها مشكلة الإسكان.

إن الاقتراحات التي أعرضها لتوفير جزء من التمويل اللازم لحل مشكلة الإسكان تعد من صميم العدالة الاجتماعية وحسن توزيع الدخول وتفعيل المشاركة الإنسانية والتضامن الاجتماعي بين مواطني الدولة غنيهم وفقيرهم بعيداً عن إضافة أي أعباء لموازنة الدولة وأيضا إرضاء ضمائر الأغنياء مع عدم تقييد مبادئ الحرية الخاصة والعامة.

إن توفير التمويل اللازم لمواجهة مشكلة الإسكان يستدعي إقرار ثلاث ضرائب جديدة يتحملها الأغنياء لتوفير السكن لفقراء هذا البلد الذي يحتاج الآن أكثر من أي وقت مضي إلي تعاون وتآلف شرائحه وطبقاته المختلفة.. هذه الضرائب المقترحة تتمثل أولاً في فرض ضريبة علي المسطحات الخضراء «الخاصة» غير المنتجة للغذاء مثل ملاعب الجولف والحدائق والمتنزهات المملوكة للأفراد أو الشركات أو القطاع الخاص عموماً والتي تزيد مساحتها علي 500 متر مربع، والضريبة الثانية تتمثل في ضريبة الشواطئ الخاصة علي البحار والبحيرات، والضريبة الثالثة تفرض علي الوحدات العقارية الشاغرة والتي اعتقد إنه ترتب علي إغلاقها ضرر للاقتصاد القوي علي أن توجه هذه الضرائب الي صندوق الإسكان منخفض التكاليف.

وهناك العديد من الأسباب المنطقية والعادلة التي تستوجب فرض هذه الضرائب النوعية الجديدة، آملاً أن تلقي هذه الدعوة تفهماً إنسانياً وحضارياً من أغنياء هذا البلد وهم بلا شك لن يدخروا جهداً في القيام بواجبهم الاجتماعي والإنساني نحو إخوانهم الذين لم يسعدههم الحظ من فقراء مصر شركائهم في هذا الوطن.. وأملاً في ذات الوقت أن تهتم الدولة بهذا الطرح الذي يمس صميم مسئوليتها وواجبها تجاه الفقراء الذين تنزف دماؤهم ويقضون نحبهم بالآلاف سنوياً جراء استفحال وخطورة قضية الاستهانة بآدمية المصريين. وهذا هو واجب كل من الحكومة ومجلس الشعب لإصدار التشريعات اللازمة لهذه الضرائب والتي يجب أن توجه بكاملها إلي الإسكان منخفض التكاليف.

إن الحديث عن فرض ضريبة علي المسطحات الخضراء غير المنتجة للغذاء ومنها ملاعب الجولف لم يأت من فراغ ولكن نظراً لكلفتها ومدخلاتها المالية واستهلاكها من المياه والأرض لغرض الاستمتاع، ففي مصر يوجد 18 ملعب جولف وجار العمل في إنشاء 8 ملاعب أخري، وتبلغ تكلفة إنشاء الملعب الواحد ملايين الدولارات طبقاً لعدد الحفر في الملعب الواحد والتي تتراوح بين 9و 18 حفرة تبعاً لمساحة الملعب التي تتراوح بين عدة فدادين وأكثر من مائة فدان.

ويستهلك الملعب الواحد الصغير من المياه حوالي 700 ألف متر مكعب سنوياً بما يكفي الاحتياجات المنزلية لأكثر من 15 ألف نسمة من المياه سنوياً.. وذكرت دراسات أخري أن الملعب الواحد يستهلك حوالي 4 ملايين جالون من المياه لعملية الري الواحدة، وعموماً فإن المسطح الأخضر غير المنتج غذائيا يستهلك حوالي 6000 متر مكعب من المياه في السنة لكل فدان علماً بأن ملاعب الجولف الخضراء تستخدم كعامل تسويقي للعقارات كبانوراما يتمتع بالنظر إليها قاطنو القصور وليس لتنمية رياضة الجولف سواء محلياً أو دولياً.

غير أن عوائد ملاعب الجولف في مصر لم تتعد 6.7 مليون دولار في السنة بما في ذلك عوائد الاشتراكات التي تصل الي 3.7 ألف دولار سنوياً للمشترك، كما أن عدد لاعبي الجولف المسجلين رسميا في الاتحادات الفرعية للعبة الجولف بالشرق الأوسط والمنطقة العربية كلها لا يتجاوز 17 ألف لاعب!.. فهل هذه البيانات كافية للاقتناع بفرض ضريبة علي المسطحات الخضراء الخاصة وغير المنتجة وأهمها ملاعب الجولف، لستر الفقراء في سكن مناسب.. وتتحدد قيمة الضريبة بما يوازي تكلفة تحلية مياه البحر ما يستهلكه الملعب من المياه سنوياً.. علماً بأن متوسط تكلفة تحلية متر المياه المكعب يوازي 0.5 دولار تقريباً أي أن الضريبة سوف تكون حوالي 17000 جنيه للفدان الواحد سنوياً، وعائد هذه الضريبة يمكن أن توفر حوالي 3000 وحدة سكنية منخفضة التكاليف سنوياً.

وثاني الضرائب التي ينبغي فرضها هي ضريبة الشواطئ الخاصة.. أي أن يتم فرض ضريبة علي شواطئ القري السياحية والفنادق والمنتجعات التي تستأثر بشواطئ خاصة .. ولنا ان نعرف أن طول الشواطئ الخاصة في مصر في الساحل الشمالي والبحر الأحمر والبحيرات حوالي 1500 كم فهل من المنطق ان يستمتع بهذه المساحات المهولة المطلة علي المياه شريحة ضئيلة للغاية من المواطنين بينما الملايين من فقراء هذا البلد لا يجدون السكن المناسب علاوة علي من يموت من هؤلاء الفقراء في حوادث الانهيارات الصخرية وغيرها.. وتتحدد قيمة الضريبة بناء علي طول الشاطئ الخاص فيتم فرض رسم عن كل متر طولي من هذه الشواطئ الخاصة سنوياً، وبحسبة بسيطة تم حصر الشواطئ الخاصة حصراً مبدئياً بطول 450 كم وبفرض ان المتر الطولي نفرض عليه ضريبة 500 جنيه في السنة فإن دخل هذه الضريبة سوف تكفي لبناء حوالي 4000 وحدة سكنية منخفضة التكاليف سنوياً.

وثالث هذه الضرائب التي ينبغي فرضها هي ضريبة علي الوحدات العقارية الشاغرة فليس من المقبول أن يوجد في القاهرة والإسكندرية أكثر من 20 مليون مواطن يسكنون المقابر والعشوائيات بينما يوجد في القاهرة الكبري وحدها أكثر من 2 مليون وحدة عقارية شاغرة بما يوازي 20% من الثروة العقارية فيها.. وليس من المقبول أن يموت الآلاف سنوياً في مصر ضحايا عدم وجود السكن المناسب بينما يوجد في ربوع مصر أكثر من 6 ملايين وحدة عقارية شاغرة.

إن فرض ضريبة مناسبة علي الوحدات العقارية الشاغرة تعادل 3 أضعاف الضريبة العقارية الحالية سيؤدي إلي لجوء مالكيها إلي تأجيرها أو بيعها بما يساعد علي حدوث وفرة في سوق العقارات وباستخدام المتوسط الحسابي ستوفر هذه الضريبة حوالي 100000 وحدة سكنية منخفضة التكاليف سنوياً.

إن المسارعة بالتصدي لحل مشكلة الإسكان مطلب عاجل يمس تداعياته الأمن الاجتماعي والاقتصادي ولا مناص من الاسراع بحل المشكلة بمنهجية واستراتيجية مرنة ومستمرة تراعي في جوانبها كل العوامل والمحددات المرتبطة بالإسكان في مصر.

وفي ظل الحرية الفردية فلا مانع من أن يستمتع المواطن المصري القادر بالمسطحات الخضراء وبملاعب الجولف وبالشواطئ الخاصة وبغلق الوحدات الخاصة به ولكن لكي يستريح ضميره لابد أن يدفع الثمن المناسب لهذه المتعة وسيكون ضميره أكثر ارتياحاً عندما يكون هذا الثمن موجهاً إلي مساعدة فقراء الوطن في الحصول علي الستر «السكن» ولن ينعم أثرياء مصر بحياتهم ما لم تكن هناك عدالة اجتماعية توفر للفرد مستوي معيشة مناسباً له ولأسرته.

إن أول خطوة للتأكد من تحقيق أي حل لمشكلة الإسكان هو توفير الموارد المالية اللازمة لذلك، وما أتقدم به هنا ما هو إلا بداية لتوفير الميزانية التي توجه فقط لمشروعات الإسكان منخفض التكاليف

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من التعليق

معا نتكاتف من أجل مساعدة بعضنا البعض فى مشروع أبنى بيتك



بالتفاؤل والجهد والتخطيط السليم ... تتحقق الاهداف والاماني